الاخوة و الغول... الجزء الأول

في قديم الزمان، ثلاثةُ إخوةٍ يعيشون في قريةٍ صغيرةٍ تحيط بها الحقول اليابسة من كل جانب. كانوا فقراء معدمين، وقد ازدادت حياتهم قسوةً بعد وفاة والديهم، فلم يبقَ لهم في الدنيا سوى بعضهم بعضًا وكوخٌ طينيٌّ تئنّ جدرانه مع كل هبّة ريح.

وذات صباحٍ شاحب، وبعد ليلةٍ طويلةٍ قضوها يتقلّبون على بطونٍ خاوية، قال أكبرهم:
"
لا يمكن أن نبقى هنا ننتظر الرحمة من السماء، هيا نخرج بحثًا عن طعامٍ قبل أن تسبقنا الجوع إلى القبر!"
      وافقه أخواه، وحملوا عصيًا يتوكّؤون عليها، وانطلقوا يشقّون طريقهم عبر الصحراء الواسعة التي كانت تمتد أمامهم كبحرٍ من الرمال الذهبية.

       ساروا أيامًا تحت شمسٍ لافحة، حتى كادت أقدامهم تتقرّح، وأصوات بطونهم تقرع كطبولٍ حزينة. وبينما هم يجرّون أنفسهم جَرًّا، لمحوا بقرًة ضخمًا تائهًا بين الكثبان. لم يصدّقوا أعينهم! نظر بعضهم إلى بعض، وكأنهم وجدوا كنزًا مدفونًا. وعند غروب الشمس، وقد بلغ بهم الجوع مبلغه، ذبحوا البقرة وهم يحمدون الله على هذه النعمة التي هبطت عليهم فجأة.

    جمعوا الحطب، وصفّوه بعناية، وأخرجوا علبة الكبريت ليشعلوا النار ويطهوا اللحم الذي تخيّلوا طعمه يسيل في أفواههم. لكن ما إن حكّوا أول عودٍ حتى انكسر رأسه، ثم الثاني، ثم الثالث… حتى نفدت الأعواد كلها دون أن تشتعل نار! كانت أعواد الكبريت تفقد رؤوسها الكبريتية واحدةً تلو الأخرى، وكأنها ترفض التعاون معهم.

    وبينما هم في حيرةٍ من أمرهم، لمحوا ضوءً بعيدًا يلمع في قلب الظلام. قفز الأمل في صدورهم، وقرّروا إجراء قرعةٍ ليعرفوا من يذهب ليجلب قبسًا من النار. وقعت القرعة على أصغرهم سنًّا، وكان صبيًّا نحيفًا لكنه شجاع القلب. لم يعترض، بل ابتسم ابتسامةً متردّدة، وسار نحو الضوء وسط ليلٍ دامسٍ تهمس فيه الرياح.

     وحين اقترب، اكتشف أن الضوء لم يكن نارَ مسافرٍ ولا مصباحَ بيتٍ… بل كان نارًا تتوهّج أمام مخلوقٍ ضخمٍ مخيف، عيناه كالجمر، وأسنانُه تلمع في الظلام. كان ذلك غولًا هائلًا!

ارتجف الصبي، وكادت ركبتاه تتصادمان، لكنه تمالك نفسه وقال بصوتٍ لطيفٍ مرتعش:
"
يا عمّ غول، هل تسمح لي ببعض النار؟"

نظر الغول إليه بعينين ضيّقتين وقال بصوتٍ كالرعد:
"
ولِمَ تريد النار أيها الصغير؟ ماذا ستطبخ؟"

ابتلع الصبي ريقه وقال:
"
أنا وإخوتي نموت من الجوع، ووجدنا… بيضةً ونريد أن نطهوها."

ضحك الغول ضحكةً هزّت الرمال من حوله وقال:
"
تكذب! قل الحقيقة وإلا التهمتك الآن!"

تلعثم الصبي وقال:
"
حسنًا… وجدنا دجاجة!"

"الحقيقة !" زمجر الغول.

وظل الصبي يغيّر كلامه في كل مرة، من دجاجة إلى خروفٍ صغير، حتى اضطر أخيرًا للاعتراف:
"
لقد وجدنا بقرة!"

ابتسم الغول ابتسامةً ماكرة وقال:
"
الآن قلت الصدق. إن أردت النار، فاحملني على ظهرك إلى إخوتك، وسأعطيكم ما تشاؤون!"

تردّد الصبي، لكن خوفه من الجوع كان أشد من خوفه من الغول. فانحنى وحمل ذلك المخلوق الثقيل على ظهره، وكأن جبلًا استقر فوق كتفيه، وسار به نحو إخوته. كان يتمايل من ثقل الحمل، والغول يضحك ضحكاتٍ خبيثة في أذنه.

وعندما اقتربوا من المكان الذي ينتظر فيه أخواه، صرخ الأخوان من بعيد:
"
يا أخانا! ألقِ الغول من على ظهرك!"

فهم الغول الكلمات، وسأل الصبي بريبة:
"
ماذا يقولان؟"

أجاب الصبي بسرعةٍ وذكاء:
"
يقولان: أحضر عمّنا بسرعة!"

تكرّر المشهد مرارًا، كلما صرخ الأخوان بتحذير، ردّ الصبي بحيلةٍ جديدة حتى وصل إلى حيث يقفان. وما إن رأى الأخوان الغول عن قرب حتى شحب لونهما، وتجمدت أقدامهما في الأرض من شدّة الرعب، فقد كان أمامهما مخلوقًا عملاقًا، مرعب الشكل، تفوح منه رائحة الدخان والوحشية.

فهل سينجو الإخوة من مكر الغول؟ أم سيكونون عشاءه بدل أن تكون البقرة عشاءهم؟

... يتبع

تعليقات