في قديم الزمان، ثلاثةُ إخوةٍ يعيشون في
قريةٍ صغيرةٍ تحيط بها الحقول اليابسة من كل جانب. كانوا فقراء معدمين، وقد ازدادت
حياتهم قسوةً بعد وفاة والديهم، فلم يبقَ لهم في الدنيا سوى بعضهم بعضًا وكوخٌ
طينيٌّ تئنّ جدرانه مع كل هبّة ريح.
وذات صباحٍ شاحب، وبعد ليلةٍ طويلةٍ قضوها
يتقلّبون على بطونٍ خاوية، قال أكبرهم:
"لا يمكن أن نبقى هنا ننتظر الرحمة من السماء، هيا نخرج بحثًا عن طعامٍ قبل
أن تسبقنا الجوع إلى القبر!"
وافقه أخواه، وحملوا عصيًا يتوكّؤون عليها،
وانطلقوا يشقّون طريقهم عبر الصحراء الواسعة التي كانت تمتد أمامهم كبحرٍ من
الرمال الذهبية.
ساروا أيامًا تحت شمسٍ لافحة، حتى
كادت أقدامهم تتقرّح، وأصوات بطونهم تقرع كطبولٍ حزينة. وبينما هم يجرّون أنفسهم
جَرًّا، لمحوا بقرًة ضخمًا تائهًا بين الكثبان. لم يصدّقوا أعينهم! نظر بعضهم إلى
بعض، وكأنهم وجدوا كنزًا مدفونًا. وعند غروب الشمس، وقد بلغ بهم الجوع مبلغه،
ذبحوا البقرة وهم يحمدون الله على هذه النعمة التي هبطت عليهم فجأة.
جمعوا الحطب، وصفّوه بعناية، وأخرجوا علبة الكبريت
ليشعلوا النار ويطهوا اللحم الذي تخيّلوا طعمه يسيل في أفواههم. لكن ما إن حكّوا
أول عودٍ حتى انكسر رأسه، ثم الثاني، ثم الثالث… حتى نفدت الأعواد كلها دون أن
تشتعل نار! كانت أعواد الكبريت تفقد رؤوسها الكبريتية واحدةً تلو الأخرى، وكأنها
ترفض التعاون معهم.
وبينما هم في حيرةٍ من أمرهم، لمحوا ضوءً بعيدًا يلمع
في قلب الظلام. قفز الأمل في صدورهم، وقرّروا إجراء قرعةٍ ليعرفوا من يذهب ليجلب
قبسًا من النار. وقعت القرعة على أصغرهم سنًّا، وكان صبيًّا نحيفًا لكنه شجاع
القلب. لم يعترض، بل ابتسم ابتسامةً متردّدة، وسار نحو الضوء وسط ليلٍ دامسٍ تهمس
فيه الرياح.
وحين اقترب، اكتشف أن الضوء لم يكن نارَ مسافرٍ
ولا مصباحَ بيتٍ… بل كان نارًا تتوهّج أمام مخلوقٍ ضخمٍ مخيف، عيناه كالجمر،
وأسنانُه تلمع في الظلام. كان ذلك غولًا هائلًا!
ارتجف الصبي، وكادت ركبتاه تتصادمان، لكنه تمالك نفسه وقال بصوتٍ لطيفٍ مرتعش:
"يا عمّ غول، هل تسمح لي ببعض النار؟"
نظر الغول إليه بعينين ضيّقتين وقال بصوتٍ كالرعد:
"ولِمَ تريد النار أيها الصغير؟ ماذا ستطبخ؟"
ابتلع الصبي ريقه وقال:
"أنا وإخوتي نموت من الجوع، ووجدنا… بيضةً ونريد أن نطهوها."
ضحك الغول ضحكةً هزّت الرمال من حوله وقال:
"تكذب! قل الحقيقة وإلا التهمتك الآن!"
تلعثم الصبي وقال:
"حسنًا… وجدنا دجاجة!"
"الحقيقة !" زمجر الغول.
وظل الصبي يغيّر كلامه في كل مرة، من دجاجة إلى خروفٍ صغير، حتى اضطر أخيرًا
للاعتراف:
"لقد وجدنا بقرة!"
ابتسم الغول ابتسامةً ماكرة وقال:
"الآن قلت الصدق. إن أردت النار، فاحملني على ظهرك إلى إخوتك، وسأعطيكم ما
تشاؤون!"
تردّد الصبي، لكن خوفه من الجوع كان أشد من خوفه من الغول. فانحنى وحمل ذلك
المخلوق الثقيل على ظهره، وكأن جبلًا استقر فوق كتفيه، وسار به نحو إخوته. كان
يتمايل من ثقل الحمل، والغول يضحك ضحكاتٍ خبيثة في أذنه.
وعندما اقتربوا من المكان الذي ينتظر فيه أخواه، صرخ الأخوان من بعيد:
"يا أخانا! ألقِ الغول من على ظهرك!"
فهم الغول الكلمات، وسأل الصبي بريبة:
"ماذا يقولان؟"
أجاب الصبي بسرعةٍ وذكاء:
"يقولان: أحضر عمّنا بسرعة!"
تكرّر المشهد مرارًا، كلما صرخ الأخوان
بتحذير، ردّ الصبي بحيلةٍ جديدة حتى وصل إلى حيث يقفان. وما إن رأى الأخوان الغول
عن قرب حتى شحب لونهما، وتجمدت أقدامهما في الأرض من شدّة الرعب، فقد كان أمامهما
مخلوقًا عملاقًا، مرعب الشكل، تفوح منه رائحة الدخان والوحشية.
فهل سينجو الإخوة من مكر الغول؟ أم سيكونون عشاءه بدل أن تكون البقرة عشاءهم؟
عند وصول الغول رحب به الاخوة على مضض،
فسيفترسهم جميعا ان ابدى أحدهم سخطا او تذمرا، ثم أمرهم قائلاً:
« ضعوا قطعة خشب
صغيرة في عينيّ لإشعال النار !»
ارتجف الإخوة الثلاثة، لكنهم
تبادلوا نظرة سريعة مليئة بالحيلة. تقدّم الأخ الأكبر بشجاعة وأدخل عودًا صغيرًا
في عين الغول، فانطلقت شرارة قوية، واشتعلت النار كأن عينيه مصباحان عظيمان يضيئان
المكان.
بدأ الإخوة بإعداد لحم البقرة
تحت مراقبة ذلك الكائن المرعب. قطعوا اللحم بعناية ثم وضعوه على النار لينضج ببطء.
كانت الرائحة شهية تملأ المكان، لكن بطونهم كانت تقرع من شدة الجوع.
عندما نضج اللحم، قال الغول بخبث:
«انتظروا، سأذوق أولًا لأتأكد إن كان الملح كافيًا.»
ثم أخذ قطعة كبيرة ووضعها في فمه
دفعة واحدة، وتبعها بأخرى، ثم أخرى، حتى التهم البقرة كلها! بقي الإخوة ينظرون
إليه مذهولين، جائعين وحزينين.
بعد أن انتهى من الأكل، أخذ جلد
البقرة وأدخل الإخوة الثلاثة بداخله، ثم أحكم إغلاقه بإحكام شديد. بعدها انطلق
ليجلب أبناءه الثمانية، وهو يظن أنه سيقدم لهم وجبة شهية.
في تلك الأثناء، كان الإخوة
يستغيثون من داخل الجلد. مرت بعض الحيوانات وسألتهم:
«من فعل بكم هذا؟»
فأجابوا: «الغول!»
لكن الحيوانات واصلت طريقها قائلة:
«ومن يستطيع معارضة هذا العملاق؟»
إلى أن جاء القنفذ الصغير،
بعينيه اللامعتين وقلبه الشجاع.
سألهم: «من الذي حبسكم هكذا؟»
قالوا: «الغول!»
فكر القنفذ قليلًا وقال:
«سأنقذكم، دعوا الأمر لي.»
مزّق الجلد وأخرجهم، ثم طلب منهم
أن يجمعوا حبات الحنظل المرة من هنا وهناك. جمعوا الكثير منها، فوضعها القنفذ داخل
الجلد وأغلقه كما كان، ليبدو وكأن الإخوة ما زالوا بداخله.
بعد قليل، عاد الغول ومعه أطفاله
الثمانية. أشعل نارًا عظيمة، وأمسك الجلد بيد واحدة ووضعه فوق النار ليُنضجه، وهو
يظن أن الإخوة الثلاثة بداخله.
بعد ساعة، أنزله وقطع قطعة
وأعطاها لأحد أبنائه. تذوقها الطفل بشهية، لكنه سرعان ما بصقها قائلاً:
«أبي! طعمها مُرّ جدًا!»
اشتعل الغضب في قلب الغول وصرخ:
«كيف تقول إن لحم البشر مُرّ؟»
وضرب ابنه بسكين كبير دون تفكير.
وكرر الأمر مع الثاني والثالث… حتى قتل أبناءه الثمانية واحدًا تلو الآخر.
ثم أخذ قطعة بنفسه ووضعها في فمه
الذي انفتح كالكهف، لكنه سرعان ما لفظها وهو يصرخ:
«يا للعار! لقد قتلت أبنائي بلا سبب!»
صرخ بغضب شديد:
«من خدعني هكذا؟»
فهمس أحد الحيوانات:
«إنه القنفذ…»
زأر الغول:
«سأمزقه إربًا إربًا! أين هو؟»
بعد لحظات، مرّ القنفذ من هناك
بهدوء. فناداه الغول:
«تعال هنا أيها الغدار الماكر!»
اقترب القنفذ بثبات وقال:
«لم يكن لك الحق أن تفعل ذلك بهؤلاء المساكين. هذا جزاؤك.»
صرخ الغول:
«سألتهمك حالًا أيها الخائن!»
فأجابه القنفذ بثقة:
«افعل ما تستطيع، أنا لا أخافك. أتريد أن نتصارع على الأرض أم في السماء؟»
فتح الغول فمه الواسع ليبتلعه في
لحظة، لكن القنفذ قفز بسرعة، وتفادى أسنانه الحادة، وانزلق داخل حلقه حتى وصل إلى
معدته، حيث استقر هناك وبدأ يسبب له الألم والاضطراب.
صار الغول يقفز ويصرخ ويجري،
عاجزًا عن التخلص منه.
أمام الألم الشديد الذي كان يعتصر بطنه، انطلق الغول يركض هنا
وهناك باحثًا عن أي حيوان يمكن أن يساعده على إخراج القنفذ العالق في معدته.
كان يتلوّى ويتدحرج أحيانًا، حتى إنه اصطدم بصخرة ضخمة فحركها من مكانها، فزاد
صراخه وأفزع الطيور التي حلّقت في السماء مذعورة.
قصد الثعلب أولًا، فنظر إليه الثعلب بدهاء
وقال: «أنا أساعدك؟ مستحيل!» ثم هرب بعيدا. ومرّ على الحمار، فاقترح هذا الأخير أن
يقفز الغول عاليًا لعلّ القنفذ يسقط، فقفز الغول قفزة عظيمة لكنه سقط في بركة ماء
موحلة، فازداد غضبه وألمه. وجرب الدب أن يضغط على بطنه بقوة، غير أن الغول صرخ حتى
اهتزت أرجاء الغابة، ففرّ الدب خائفًا.
لم يجرؤ أحد على التدخل… إلا القط. اقترب
القط بخطوات واثقة، وحرّك شاربيه وقال: «عندي حل. افتح فمك، وسأدخل لأدفع القنفذ
إلى الخارج.»
استلقى الغول على ظهره وفتح فمه الهائل حتى بدا كأنه كهف مظلم. تسلل القط
داخله، وانزلق عبر المريء بحذر حتى وصل إلى المعدة، حيث وجد القنفذ متكورًا بين
طيات اللحم.
وما إن وصل، حتى قال القنفذ قبل أن ينطق القط بكلمة:
«يا قط، انظر إلى هذا الشحم الكثير واللحم المتدلي! كيف تريد أن تترك كل هذه
الخيرات؟ أَتُخرجني ثم تخرج أنت أيضًا؟ لنبقَ هنا، نأكل كل يوم أشهى الوجبات حتى
يموت هذا العملاق. لن يستطيع أن يفعل لنا شيئًا!»
تأمل القط قليلًا، ثم لعق شفتيه وقال: «يبدو أنك على حق!» وفورًا بدأ الاثنان
يقطعان قطعًا من اللحم والشحم ويأكلان بنهم، وهما يضحكان كلما سمعا الغول يتأوه من
الألم.
في الخارج، كان الغول يتقلب ويصرخ بصوت مدوٍّ:
«أيها القط! أخرجه فورًا!»
فيرد القط من الداخل: «وماذا تستطيع أن تفعل إن رفضت؟»
فيزمجر الغول: «أخرجه فورًا!»
فيجيبه القط ضاحكًا: «وماذا تستطيع أن تفعل إن رفضت؟»
وتكررت هذه المحاورة مرارًا، بينما القط والقنفذ يواصلان الوليمة، حتى خفت صوت
الغول شيئًا فشيئًا… ثم ساد الصمت.
وعندما تأكدا من موته، أحدثا ثقبًا صغيرًا في بطنه وخرجا منتصرين. وقف القط
ينفض فروه، وقال للقنفذ مبتسمًا: «ألم أقل لك إن الحيلة تغلب القوة؟»
ومنذ ذلك اليوم، صارت حيوانات الغابة يروون حكاية القط والقنفذ والغول،
ويتعلمون أن الذكاء أحيانًا أقوى من أضخم العمالقة.
