في قرية جبليٍّة نائية من قرى المغرب
العميق، حيث القسوة جزء من تفاصيل الحياة اليومية وحيث يتعلّم الإنسان الصبر قبل
الكلام، خرج الشاب القروي "علي" قبل طلوع الشمس، من بيت عائلته الصغير،
وهو يلف نفسه بعباءة قديمة تحميه من برد الصباح القارس. تحت قدميه، الحصى يئن مع
كل خطوة، والهواء يحمل رائحة الأرض الرطبة من نهر قريب يختبئ بين الصخور. الغنم
تلتف حوله، وكأنها تعرف أنه القائد الذي لا يقصر في حمايتها. كل يوم يبدأ بنفس
الطقوس: فحص كل خروف بعينه، التأكد من عدم وجود إصابات، وإعطاء كل واحد منهم قسطه
من الطعام.
بين الصخور، كان علي يلتقط الأعشاب
البرية، يضعها أمام الغنم، ويتحدث معهم بصوت منخفض، يهمس لهم كلمات مهدئة، وكأن
حديثه جزء من لغة الجبال نفسها. هو لم يكن وحيدًا تمامًا؛ كل حجر، كل شجرة صغيرة،
وكل صدى للرياح، كان رفيقًا له في رحلته اليومية.
مع اقتراب الظهر،
كانت الشمس ترتفع، والرياح تصفر بين الصخور، حاملة معها غبار الأرض الجافة. علي
كان يجلس أحيانًا على حجر عالٍ، ينظر إلى القرية البعيدة، حيث المنازل متلاصقة،
والأسطح مغطاة بالطين القديم. كان يتأمل المداخن الصغيرة التي تصدر دخانًا رفيعًا،
ويتذكر والدته وهي تحضر الطعام في مطبخهم الصغير.
لكن المنحدرات لم تكن
رحيمة؛ كل خطوة خاطئة قد تعني سقوطًا أو كسرًا. لهذا، كانت عين علي حادة، يراقب كل
حركة صغيرة، حتى في أصغر التفاصيل: حركة الحشرات، صدى الطيور، والاهتزازات الطفيفة
للأرض تحت قدميه.
وفجأة، كان كل هذا السكون والروتين عرضة لانقطاعه لدقيقة واحدة.
خرجت الأفعى من بين الصخور، حادة وذكية، وبدون تحذير لدغت ساق علي. الألم كان
كالصاعقة، لكنه لم يمنعه من محاولة الصراخ، حتى يطلب المساعدة من السماء والصخور
حوله. مع كل دقيقة يمر بها على الأرض، شعر بثقل الحياة يزداد، وكان كل شيء من حوله
يبدو أكبر وأخطر، الغنم تتحرك ببطء، الأشجار تهتز، والجبال تصمت.
مرّت ساعات طويلة، والغنم ترعى حوله بلا وعي
بالخطر، إلى أن لمح راعٍ آخر المشهد صدفةً، فتوقّف مذهولًا قبل أن يدرك حجم
الكارثة، فهرع عائدًا إلى الدوّار يركض بكل ما بقي في صدره من أنفاس.
وصل إلى بيت الأسرة وهو يلهث، وما إن نطق
بالخبر حتى خيّم الصمت المشوب بالفزع، وانفجرت الأم في بكاءٍ مكتوم، بينما جلس
الأب صامتًا يسترجع في لحظة واحدة سنوات الفقر وقلة الحيلة وقسوة العيش.
لم تنتظر القرية كثيرًا، فقد تجمّع شبابها
بسرعة، وحملوا الشاب على أكتافهم، يتناوبون فوق المسالك الوعرة، يسقطون أحيانًا
وينهضون أكثر إصرارًا، وكأنهم يحملون ابنهم جميعًا لا جسدًا واحدًا فقط.
وعندما وصلوا به إلى القرية، وضعوه في
“البرويطة” وشرعوا في جرّها عبر طريقٍ غير معبّدة نحو دوّارٍ آخر تصل إليه
المركبات، بينما كانت أنفاس المصاب تتقطّع وأعينهم معلّقة بالأمل الضعيف.
لم يكن هناك هاتف ولا وسيلة اتصال، فقرّر
أحدهم الذهاب إلى المدينة مشيًا على الأقدام، قاطعًا طويلة مسافة في أكثر من ساعة
ونصف، تحت جنح الظلام وخوفٍ ينهش قلبه مع كل خطوة.
عاد أخيرًا بسيارة إسعاف، لكن الطريق الوعرة
جعلت الوصول عذابًا آخر، فكل مطبٍّ كان يسرق دقيقة، وكل دقيقة كانت تهدد الحياة.
في المستشفى، انتظرت الأسرة والقرية
كلها خلف الأبواب الباردة، تتأرجح مشاعرهم بين اليأس والأمل، إلى أن خرج الطبيب
بخبر النجاة.
عندها فقط،
انفجرت الدموع، وتعانقت القلوب، وشعر الجميع أن تضامنهم هزم الموت.
وفي ذلك
الدوّار الجبلي الفقير، ثبت من جديد أن قسوة العيش لا تلغي إنسانية الناس، وأن
الأمل، مهما كان ضعيفًا، قادر على النجاة.
