recent
أحدث المواضيع

الرعي في المناطق الجبلية: حكمة الإنسان في التعايش مع الطبيعة

فريق راجع
الصفحة الرئيسية


    


كانت الجبال، عبر العصور، أكثر من مجرد فضاءات طبيعية شاهقة؛ فقد شكّلت بيئة حيوية احتضنت الإنسان والحيوان معًا، وكانت ولا تزال مجالًا مثاليًا لممارسة الرعي، خصوصًا تربية الماعز. فالتضاريس الجبلية، بما تتميز به من ارتفاعات وتنوّع طبيعي، توفّر مراعي غنية بالعشب الطازج، تغذيها الأمطار وتحتفظ برطوبتها في الأخاديد والمنحدرات، مما يضمن غطاءً نباتيًا شبه دائم على مدار السنة. هذا التوفر المستمر للأعلاف الطبيعية جعل من الجبال مصدرًا موثوقًا لغذاء القطيع، حتى في الفترات التي تشحّ فيها الموارد في المناطق السهلية.

     ولم يكن اختيار الأسلاف للاستقرار في هذه المناطق الجبلية محض صدفة، بل جاء نتيجة ملاحظة دقيقة للطبيعة وإدراك عميق لإمكاناتها. فمع مرور مئات السنين، طوّر السكان المحليون نمط حياة متكاملًا قائمًا على الرعي، واستطاعوا ابتكار ممارسات ذكية تضمن لهم الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة دون الإضرار بالتوازن البيئي.

    من أبرز هذه الممارسات استغلال شعر الماعز في تلبية احتياجات الحياة اليومية. فقد استُخدم هذا المورد الطبيعي في صناعة الخيام التي توفّر الدفء والحماية من تقلبات الطقس، إضافة إلى الحبال والأدوات البسيطة التي لا غنى عنها في الحياة الرعوية. ويعكس هذا الاستخدام وعيًا مبكرًا بأهمية الاعتماد على الموارد المحلية وتقليل الهدر.

   كما اهتم الرعاة بحماية قطعانهم، فقاموا ببناء ملاجئ حجرية صغيرة في مواقع استراتيجية داخل الجبال، تُستخدم لإيواء المواليد الجدد أو الحيوانات المريضة والضعيفة. وكانت هذه الملاجئ تشكّل خط دفاع طبيعيًا ضد الحيوانات المفترسة، مثل الذئاب، إلى أن يعود الراعي في نهاية اليوم، مما يحدّ من الخسائر ويعزز سلامة القطيع.

   وفي إطار تعزيز التضامن الاجتماعي، ظهر نظام تعاوني بين المربين يُعرف محليًا باسم «تيويلي» (tiwili). يقوم هذا النظام على مبدأ تقاسم المهام، حيث يتناوب الرعاة على الصعود إلى الجبل لرعي القطعان، بدل أن يقوم كل واحد بذلك يوميًا. وقد أتاح هذا التنظيم الجماعي وقتًا إضافيًا للأسر لممارسة أنشطة أخرى، وأسهم في تقوية الروابط الاجتماعية داخل المجتمع المحلي.

   أما فيما يتعلق بالمنتجات الحيوانية، فقد كان حلب الحليب يتم يدويًا وفق ممارسات دقيقة تراعي احتياجات الحيوانات. إذ يحرص الرعاة على ترك كمية كافية من الحليب للجديان، بما يضمن نموها السليم، وفي الوقت نفسه يوفّر للإنسان مصدرًا غذائيًا مهمًا. ويعكس هذا السلوك توازنًا واضحًا بين الاستفادة الاقتصادية والاعتبارات الأخلاقية في التعامل مع الحيوان.

   ولأن الطبيعة الجبلية سريعة التقلب، تعلّم الرعاة التعامل بحكمة مع التغيرات المناخية المفاجئة، مثل الأمطار الغزيرة أو فترات الجفاف. فقد راكموا خبرة طويلة مكّنتهم من توقّع بعض الظواهر الطبيعية واتخاذ قرارات تقلّل من المخاطر، كتنويع مواقع الرعي أو تغيير توقيت التنقل.

   كما اعتمدت المجتمعات الرعوية على الطب التقليدي في علاج القطيع، مستخدمة أعشابًا ونباتات طبيعية عُرفت بخصائصها العلاجية، وانتقلت معارفها شفهيًا من جيل إلى جيل. ورغم بساطة هذه الوسائل، فقد كانت فعّالة في كثير من الحالات وأسهمت في الحفاظ على صحة الحيوانات.

   وأخيرًا، شكّل الإلمام بالدورات النباتية عنصرًا أساسيًا في استدامة هذا النشاط. فقد أدرك الرعاة أهمية تنظيم الرعي وعدم استنزاف المراعي، فقاموا بتدوير مناطق الرعي وترك فترات راحة للأرض، مما ساعد على تجدد الغطاء النباتي وحماية التربة من التدهور.

   هكذا يتضح أن الرعي في المناطق الجبلية لم يكن مجرد نشاط اقتصادي، بل أسلوب حياة متكامل، يقوم على التعايش المتوازن بين الإنسان والطبيعة، ويجسّد معرفة تراكمية عميقة لا تزال تحمل دروسًا مهمّة في مجال الاستدامة إلى يومنا هذا

google-playkhamsatmostaqltradent