لا يمكن
إنكار الدور الأساسي الذي تلعبه المساكن في تحقيق الراحة النفسية والشعور بالأمان
لدى السكان. ولهذا السبب، استطاع أوائل سكان المناطق القروية بالجنوب الشرقي
للمملكة المغربية، ومنذ زمن بعيد، ورغم محدودية الإمكانيات، تشييد بيوت اعتمادًا
على الموارد المتاحة محليًا، دون الحاجة إلى مخططات معمارية معقدة كالتي نعرفها
اليوم.
وقد شُيّدت هذه المباني
بمواد بسيطة، مع مراعاة شروط السلامة التي كان من الضروري احترامها في ذلك الوقت.
ونجح السكان في بناء مساكن قادرة ليس فقط على مقاومة الأمطار الغزيرة والظروف
المناخية القاسية، بل أيضًا على حماية أنفسهم من مختلف أنواع الهجمات.
ورغم أن هذه البيوت بُنيت
أساسًا من الطين أو التراب المبلل، فإنها غالبًا ما تتكوّن من طابق واحد أو أكثر،
وتضم أبراجًا زاوية يتجاوز ارتفاعها عشرة أمتار. أما الطوابق الأرضية، فكانت
تُخصّص في الغالب لإيواء الماشية وتخزين المؤن.
ويُعد هذا الإنجاز ثمرة
تراكم طويل من الخبرات التي انتقلت من جيل إلى جيل، ما مكّن السكان من الاستفادة
القصوى من الموارد المحلية لتلبية حاجاتهم الأساسية. فقد استُخدمت التربة المحلية
في تشييد الجدران بالاعتماد على تقنيات تقليدية موروثة، كما استُعملت جذوع الأشجار
المحلية، مثل نخيل التمر والزيتون واللوز، إضافة إلى سيقان القصب، في إنشاء الأسقف.
كما استُخدم نوع من الطين
إما لطلاء الجدران أو لتغطيتها بطبقة واقية، في حين صُنعت الأبواب في الغالب من
ألواح خشبية مأخوذة من أشجار محلية، مع أقفال مصنوعة هي الأخرى من الخشب. أما
النوافذ، فكانت غالبًا مجرد فتحات بسيطة في الجدران أو في الأسقف، توفّر الإضاءة
والتهوية داخل المنازل. وإضافة إلى ذلك، كانت بعض هذه الفتحات في الأسقف تُستعمل
أيضًا كمراحيض تقليدية.
ويعكس هذا النمط من البناء قدرة الإنسان على التكيّف مع
بيئته، وحسن توظيفه لما توفره الطبيعة من موارد، في إطار يوازن بين الضرورات
المعيشية ومتطلبات الأمان والاستقرار.
