تقليد الشاي المغربي: أكثر من مشروب… طقس اجتماعي متجذّر
يُعدّ الشاي المغربي واحدًا من أشهر التقاليد الراسخة في المغرب، إذ لا
يقتصر حضوره على كونه مشروبًا يوميًا، بل يتجاوز ذلك ليصبح طقسًا اجتماعيًا يعكس
قيم الكرم، والضيافة، وروح المشاركة التي تميّز المجتمع المغربي. فلا يكاد يخلو
بيت مغربي من لحظة يُحضَّر فيها الشاي، سواء في المناسبات العائلية أو أثناء
استقبال الضيوف أو حتى خلال فترات الاستراحة اليومية.
يرتبط الشاي في الثقافة المغربية بفكرة الترحيب، حيث يُعتبر تقديمه أول تعبير
عن حسن الاستقبال. وغالبًا ما يُحضَّر الشاي الأخضر مع النعناع الطازج والسكر، وفق
خطوات دقيقة تُظهر خبرة من يقوم بإعداده. ولا تُترك هذه المهمة للصدفة، بل تُسند
في العادة إلى شخص يُجيد هذا الفن، لما له من مكانة رمزية داخل الأسرة أو المجموعة.
من أبرز ما يميز هذا التقليد طريقة السكب، إذ يُسكب الشاي من علوّ نسبي في
كؤوس صغيرة، وهي حركة ليست شكلية فقط، بل تهدف إلى مزج المكونات جيدًا وتكوين رغوة
خفيفة على سطح الكأس، تُعدّ علامة على جودة الشاي. وغالبًا ما يُقدَّم الشاي على
ثلاث دفعات، ويُقال في الموروث الشعبي إن “الكأس الأولى مُرّة كالحياة، والثانية
متوازنة كالمحبة، والثالثة حلوة كالأمل”، في تعبير رمزي يعكس فلسفة بسيطة للحياة.
ولا يقتصر تقليد الشاي على المدن فقط، بل يمتد إلى القرى والمناطق الجبلية
والصحراوية، حيث يكتسب طابعًا خاصًا يتلاءم مع نمط العيش المحلي. ففي بعض المناطق،
يُحضَّر الشاي على الجمر وفي فضاءات مفتوحة، ما يجعله لحظة للتلاقي وتبادل الحديث
وتقوية الروابط الاجتماعية.
كما يلعب الشاي دورًا مهمًا في المناسبات الجماعية، مثل الأعراس والاحتفالات
الدينية واللقاءات العائلية، حيث يُعدّ عنصرًا ثابتًا يرافق الأحاديث ويخلق جوًا
من الألفة والهدوء. ومع تغيّر أنماط الحياة الحديثة، ظل هذا التقليد صامدًا،
محافظًا على مكانته رغم انتشار المشروبات العصرية، وهو ما يعكس قوته الرمزية في
الذاكرة الجماعية.
إن تقليد الشاي المغربي يُجسّد قدرة الثقافة الشعبية على الاستمرار والتكيّف،
ويُبرز كيف يمكن لتفاصيل بسيطة في الحياة اليومية أن تتحوّل إلى رمز لهوية جماعية
متجذّرة، تنتقل من جيل إلى آخر دون أن تفقد معناها أو قيمتها
