recent
أحدث المواضيع

عاصفة عاتية...الجزء الثاني

فريق راجع
الصفحة الرئيسية


كان سالم يسير بخطوات متسارعة، يلهث أكثر مما يتكلم، وعيناه تحاولان التقاط أي علامة تقوده إلى كوخ والده في الجبل. لكن الليل كان قد أسدل ستاره كاملًا، والضباب امتزج بالمطر، حتى صار كل شيء متشابهًا: الصخور، الأشجار، والمنحدرات.
الطريق الذي حفظه منذ طفولته بدا غريبًا، وكأنه يتعمد أن يضله.

كلما ظنّ أنه اقترب، وجد نفسه يبتعد أكثر. خطوة تقوده إلى منحدر، وأخرى إلى شِعبة ضيقة امتلأت بالماء. حاول أن يعود أدراجه، لكن الظلام كان قد ابتلع أثر خطواته. عندها فقط أدرك، بعد وقتٍ طويل من المقاومة، أنه فقد الطريق تمامًا، وأنه صار في جهة لم يطأها من قبل.

توقف، وأسند ظهره إلى صخرة باردة، والتقط أنفاسه. الخوف لم يكن في الظلام وحده، بل في فكرة واحدة كانت تضرب قلبه بقوة:
ماذا لو لم أجد أبي؟

في الجهة الأخرى من الجبل، كان الأب في الكوخ، يراقب المطر الذي لم يتوقف، ويصغي إلى صوت الوادي وقد ازداد قربًا وحدة. كان الصوت مختلفًا هذه المرة، يحمل إنذارًا لا يخطئه من عاش طويلًا في الجبال.



تسلّل إلى قلبه شعور ثقيل، ليس خوفًا على نفسه، بل على أسرته التي تركها خلفه، وعلى سالم تحديدًا، الذي يعرف اندفاعه وصدق قلبه.
قال في نفسه وهو ينهض:
"إن تأخرت أكثر، سيخرجون بحثًا عني… وقد يضيع أحدهم."

لم يتردد. ترك الماعز في الكوخ، وأغلق الباب بما تيسر، ثم شق طريقه عائدًا نحو القرية، متحديًا البرد والمياه والظلام. كان يسقط أحيانًا، ويقوم أحيانًا، لكن صورة أطفاله كانت تسنده كلما ضعفت قدماه.

حين وصل أخيرًا إلى البيت، كان التعب قد بلغ منه حدّه. طرق الباب طرقًا خافتًا، فانفتح فجأة، واندفعت نحوه وجوه أنهكها القلق.
ارتمى الأطفال في حضنه، وبكت الزوجة من شدة الارتياح، بينما رفع الجد و الجدة يديهما طويلًا يحمدان الله.

لكن الفرح لم يكتمل.

حين سألت الزوجة بصوت مرتجف، يكاد لا يُسمع:
"أين سالم؟ ألم يكن معك؟"

ساد صمت ثقيل، كأن المطر توقف احترامًا له.
نظر الأب في الوجوه حوله، ثم قال بصوت مكسور:
"لم أره… هل خرج يبحث عني؟"

تحوّل الفرح إلى حزنٍ عميق، أشد قسوة من المطر نفسه.
اقترب الأب من الباب المفتوح، وحدّق في الظلام، ثم قال بحزم لا يخلو من ألم:
"سأعود… لن أتركه وحده في هذا الليل."

اعترضت الجدة، تشبثت بعباءته، توسلت وبكت، لكن الزوجة كانت أكثر إصرارًا.
قالت وهي تشد عباءتها، وقد حُسم القرار في قلبها:
"سأرافقك."

كان في عينيها ذلك الإحساس الذي لا يُجادَل… قلب الأم الذي يسبق الخطر، ويشعر بالابن قبل أن يُنادى.

أخذ الأب مصباحًا يدويًا قديمًا، أشعله بصعوبة، وخرجا معًا. الليل في منتصفه، والبرد يشتد، والمياه تحيط بهما من كل جانب.
كانا يناديان بصوت متقطع، يبتلعه المطر تارة، ويعيده الوادي تارة أخرى.

لم يقطعا سوى أمتار قليلة، حتى انزلقت قدم الأب فجأة، وسقط في حفرة مائية عميقة. ارتطم المصباح بالأرض، وانطفأ في لحظة.

الظلامٌ دامس، لا يُرى فيه شيء، ولا يُسمع سوى خفق القلوب وصوت الماء.

تجمّدت الزوجة في مكانها، ثم تماسكت، ومدّت يدها نحو زوجها، فتعلقا ببعضهما، كأن كل واحد منهما صار مرساة للآخر.
لم يعودا يعرفان أين الطريق، ولا من أين أتيا، ولا إلى أين يتجهان.

الماء يبلل أقدامهما، والبرد ينفذ إلى العظام، وصوت الوادي صار أقرب، أثقل، كأنه يتربص. ومع ذلك، تقدّما خطوة بعد خطوة، متماسكين، يقاومان الخوف، ويلجان في الظلام… نحو المجهول.

وفي مكانٍ ما، بعيدًا عن كل هذا، كان سالم وحده يلتصق بجذع شجرة عتيقة، يحتمي بها من الرياح، ينتظر بزوغ الفجر لعل الضوء يكشف له طريق النجاة. كان يسمع أصواتًا بعيدة، لا يدري أهي نداءات أم صدى أفكاره.

أما الأبوين، فكانا يواصلان التقدم، مرة وسط المياه، ومرة وسط الأوحال، وصوتهما يملأ الأرجاء.
ما إن يخفت صوت الأم حتى يرتفع صوت الأب، ثم يعودان معًا:

«يااااا سالم
يااااا سالم
يااااا سالم…»

وفجأة
وصل إلى سمع سالم صوتٌ مألوف، ضعيف، لكنه حقيقي.

رفع رأسه، وقلبه يخفق بقوة.
هل هو نداء والديه؟
أم مجرد أملٍ يتشبث به قبل الفجر؟

يتبع

google-playkhamsatmostaqltradent