في قديم الزمان، ثلاثةُ إخوةٍ يعيشون في
قريةٍ صغيرةٍ تحيط بها الحقول اليابسة من كل جانب. كانوا فقراء معدمين، وقد ازدادت
حياتهم قسوةً بعد وفاة والديهم، فلم يبقَ لهم في الدنيا سوى بعضهم بعضًا وكوخٌ
طينيٌّ تئنّ جدرانه مع كل هبّة ريح.
وذات صباحٍ شاحب، وبعد ليلةٍ طويلةٍ قضوها
يتقلّبون على بطونٍ خاوية، قال أكبرهم:
"لا يمكن أن نبقى هنا ننتظر الرحمة من السماء، هيا نخرج بحثًا عن طعامٍ قبل
أن تسبقنا الجوع إلى القبر!"
وافقه أخواه، وحملوا عصيًا يتوكّؤون عليها،
وانطلقوا يشقّون طريقهم عبر الصحراء الواسعة التي كانت تمتد أمامهم كبحرٍ من
الرمال الذهبية.
ساروا أيامًا تحت شمسٍ لافحة، حتى
كادت أقدامهم تتقرّح، وأصوات بطونهم تقرع كطبولٍ حزينة. وبينما هم يجرّون أنفسهم
جَرًّا، لمحوا بقرًة ضخمًا تائهًا بين الكثبان. لم يصدّقوا أعينهم! نظر بعضهم إلى
بعض، وكأنهم وجدوا كنزًا مدفونًا. وعند غروب الشمس، وقد بلغ بهم الجوع مبلغه،
ذبحوا البقرة وهم يحمدون الله على هذه النعمة التي هبطت عليهم فجأة.
جمعوا الحطب، وصفّوه بعناية، وأخرجوا علبة الكبريت
ليشعلوا النار ويطهوا اللحم الذي تخيّلوا طعمه يسيل في أفواههم. لكن ما إن حكّوا
أول عودٍ حتى انكسر رأسه، ثم الثاني، ثم الثالث… حتى نفدت الأعواد كلها دون أن
تشتعل نار! كانت أعواد الكبريت تفقد رؤوسها الكبريتية واحدةً تلو الأخرى، وكأنها
ترفض التعاون معهم.
وبينما هم في حيرةٍ من أمرهم، لمحوا ضوءً بعيدًا يلمع
في قلب الظلام. قفز الأمل في صدورهم، وقرّروا إجراء قرعةٍ ليعرفوا من يذهب ليجلب
قبسًا من النار. وقعت القرعة على أصغرهم سنًّا، وكان صبيًّا نحيفًا لكنه شجاع
القلب. لم يعترض، بل ابتسم ابتسامةً متردّدة، وسار نحو الضوء وسط ليلٍ دامسٍ تهمس
فيه الرياح.
وحين اقترب، اكتشف أن الضوء لم يكن نارَ مسافرٍ
ولا مصباحَ بيتٍ… بل كان نارًا تتوهّج أمام مخلوقٍ ضخمٍ مخيف، عيناه كالجمر،
وأسنانُه تلمع في الظلام. كان ذلك غولًا هائلًا!
ارتجف الصبي، وكادت ركبتاه تتصادمان، لكنه تمالك نفسه وقال بصوتٍ لطيفٍ مرتعش:
"يا عمّ غول، هل تسمح لي ببعض النار؟"
نظر الغول إليه بعينين ضيّقتين وقال بصوتٍ كالرعد:
"ولِمَ تريد النار أيها الصغير؟ ماذا ستطبخ؟"
ابتلع الصبي ريقه وقال:
"أنا وإخوتي نموت من الجوع، ووجدنا… بيضةً ونريد أن نطهوها."
ضحك الغول ضحكةً هزّت الرمال من حوله وقال:
"تكذب! قل الحقيقة وإلا التهمتك الآن!"
تلعثم الصبي وقال:
"حسنًا… وجدنا دجاجة!"
"الحقيقة !" زمجر الغول.
وظل الصبي يغيّر كلامه في كل مرة، من دجاجة إلى خروفٍ صغير، حتى اضطر أخيرًا
للاعتراف:
"لقد وجدنا بقرة!"
ابتسم الغول ابتسامةً ماكرة وقال:
"الآن قلت الصدق. إن أردت النار، فاحملني على ظهرك إلى إخوتك، وسأعطيكم ما
تشاؤون!"
تردّد الصبي، لكن خوفه من الجوع كان أشد من خوفه من الغول. فانحنى وحمل ذلك
المخلوق الثقيل على ظهره، وكأن جبلًا استقر فوق كتفيه، وسار به نحو إخوته. كان
يتمايل من ثقل الحمل، والغول يضحك ضحكاتٍ خبيثة في أذنه.
وعندما اقتربوا من المكان الذي ينتظر فيه أخواه، صرخ الأخوان من بعيد:
"يا أخانا! ألقِ الغول من على ظهرك!"
فهم الغول الكلمات، وسأل الصبي بريبة:
"ماذا يقولان؟"
أجاب الصبي بسرعةٍ وذكاء:
"يقولان: أحضر عمّنا بسرعة!"
تكرّر المشهد مرارًا، كلما صرخ الأخوان
بتحذير، ردّ الصبي بحيلةٍ جديدة حتى وصل إلى حيث يقفان. وما إن رأى الأخوان الغول
عن قرب حتى شحب لونهما، وتجمدت أقدامهما في الأرض من شدّة الرعب، فقد كان أمامهما
مخلوقًا عملاقًا، مرعب الشكل، تفوح منه رائحة الدخان والوحشية.
فهل سينجو الإخوة من مكر الغول؟ أم سيكونون عشاءه بدل أن تكون البقرة عشاءهم؟
عند وصول الغول رحب به الاخوة على مضض،
فسيفترسهم جميعا ان ابدى أحدهم سخطا او تذمرا، ثم أمرهم قائلاً:
« ضعوا قطعة خشب
صغيرة في عينيّ لإشعال النار !»
ارتجف الإخوة الثلاثة، لكنهم
تبادلوا نظرة سريعة مليئة بالحيلة. تقدّم الأخ الأكبر بشجاعة وأدخل عودًا صغيرًا
في عين الغول، فانطلقت شرارة قوية، واشتعلت النار كأن عينيه مصباحان عظيمان يضيئان
المكان.
بدأ الإخوة بإعداد لحم البقرة
تحت مراقبة ذلك الكائن المرعب. قطعوا اللحم بعناية ثم وضعوه على النار لينضج ببطء.
كانت الرائحة شهية تملأ المكان، لكن بطونهم كانت تقرع من شدة الجوع.
عندما نضج اللحم، قال الغول بخبث:
«انتظروا، سأذوق أولًا لأتأكد إن كان الملح كافيًا.»
ثم أخذ قطعة كبيرة ووضعها في فمه
دفعة واحدة، وتبعها بأخرى، ثم أخرى، حتى التهم البقرة كلها! بقي الإخوة ينظرون
إليه مذهولين، جائعين وحزينين.
بعد أن انتهى من الأكل، أخذ جلد
البقرة وأدخل الإخوة الثلاثة بداخله، ثم أحكم إغلاقه بإحكام شديد. بعدها انطلق
ليجلب أبناءه الثمانية، وهو يظن أنه سيقدم لهم وجبة شهية.
في تلك الأثناء، كان الإخوة
يستغيثون من داخل الجلد. مرت بعض الحيوانات وسألتهم:
«من فعل بكم هذا؟»
فأجابوا: «الغول!»
لكن الحيوانات واصلت طريقها قائلة:
«ومن يستطيع معارضة هذا العملاق؟»
إلى أن جاء القنفذ الصغير،
بعينيه اللامعتين وقلبه الشجاع.
سألهم: «من الذي حبسكم هكذا؟»
قالوا: «الغول!»
فكر القنفذ قليلًا وقال:
«سأنقذكم، دعوا الأمر لي.»
مزّق الجلد وأخرجهم، ثم طلب منهم
أن يجمعوا حبات الحنظل المرة من هنا وهناك. جمعوا الكثير منها، فوضعها القنفذ داخل
الجلد وأغلقه كما كان، ليبدو وكأن الإخوة ما زالوا بداخله.
بعد قليل، عاد الغول ومعه أطفاله
الثمانية. أشعل نارًا عظيمة، وأمسك الجلد بيد واحدة ووضعه فوق النار ليُنضجه، وهو
يظن أن الإخوة الثلاثة بداخله.
بعد ساعة، أنزله وقطع قطعة
وأعطاها لأحد أبنائه. تذوقها الطفل بشهية، لكنه سرعان ما بصقها قائلاً:
«أبي! طعمها مُرّ جدًا!»
اشتعل الغضب في قلب الغول وصرخ:
«كيف تقول إن لحم البشر مُرّ؟»
وضرب ابنه بسكين كبير دون تفكير.
وكرر الأمر مع الثاني والثالث… حتى قتل أبناءه الثمانية واحدًا تلو الآخر.
ثم أخذ قطعة بنفسه ووضعها في فمه
الذي انفتح كالكهف، لكنه سرعان ما لفظها وهو يصرخ:
«يا للعار! لقد قتلت أبنائي بلا سبب!»
صرخ بغضب شديد:
«من خدعني هكذا؟»
فهمس أحد الحيوانات:
«إنه القنفذ…»
زأر الغول:
«سأمزقه إربًا إربًا! أين هو؟»
بعد لحظات، مرّ القنفذ من هناك
بهدوء. فناداه الغول:
«تعال هنا أيها الغدار الماكر!»
اقترب القنفذ بثبات وقال:
«لم يكن لك الحق أن تفعل ذلك بهؤلاء المساكين. هذا جزاؤك.»
صرخ الغول:
«سألتهمك حالًا أيها الخائن!»
فأجابه القنفذ بثقة:
«افعل ما تستطيع، أنا لا أخافك. أتريد أن نتصارع على الأرض أم في السماء؟»
فتح الغول فمه الواسع ليبتلعه في
لحظة، لكن القنفذ قفز بسرعة، وتفادى أسنانه الحادة، وانزلق داخل حلقه حتى وصل إلى
معدته، حيث استقر هناك وبدأ يسبب له الألم والاضطراب.
صار الغول يقفز ويصرخ ويجري،
عاجزًا عن التخلص منه.
أمام الألم الشديد الذي كان يعتصر بطنه، انطلق الغول يركض هنا
وهناك باحثًا عن أي حيوان يمكن أن يساعده على إخراج القنفذ العالق في معدته.
كان يتلوّى ويتدحرج أحيانًا، حتى إنه اصطدم بصخرة ضخمة فحركها من مكانها، فزاد
صراخه وأفزع الطيور التي حلّقت في السماء مذعورة.
قصد الثعلب أولًا، فنظر إليه الثعلب بدهاء
وقال: «أنا أساعدك؟ مستحيل!» ثم هرب بعيدا. ومرّ على الحمار، فاقترح هذا الأخير أن
يقفز الغول عاليًا لعلّ القنفذ يسقط، فقفز الغول قفزة عظيمة لكنه سقط في بركة ماء
موحلة، فازداد غضبه وألمه. وجرب الدب أن يضغط على بطنه بقوة، غير أن الغول صرخ حتى
اهتزت أرجاء الغابة، ففرّ الدب خائفًا.
لم يجرؤ أحد على التدخل… إلا القط. اقترب
القط بخطوات واثقة، وحرّك شاربيه وقال: «عندي حل. افتح فمك، وسأدخل لأدفع القنفذ
إلى الخارج.»
استلقى الغول على ظهره وفتح فمه الهائل حتى بدا كأنه كهف مظلم. تسلل القط
داخله، وانزلق عبر المريء بحذر حتى وصل إلى المعدة، حيث وجد القنفذ متكورًا بين
طيات اللحم.
وما إن وصل، حتى قال القنفذ قبل أن ينطق القط بكلمة:
«يا قط، انظر إلى هذا الشحم الكثير واللحم المتدلي! كيف تريد أن تترك كل هذه
الخيرات؟ أَتُخرجني ثم تخرج أنت أيضًا؟ لنبقَ هنا، نأكل كل يوم أشهى الوجبات حتى
يموت هذا العملاق. لن يستطيع أن يفعل لنا شيئًا!»
تأمل القط قليلًا، ثم لعق شفتيه وقال: «يبدو أنك على حق!» وفورًا بدأ الاثنان
يقطعان قطعًا من اللحم والشحم ويأكلان بنهم، وهما يضحكان كلما سمعا الغول يتأوه من
الألم.
في الخارج، كان الغول يتقلب ويصرخ بصوت مدوٍّ:
«أيها القط! أخرجه فورًا!»
فيرد القط من الداخل: «وماذا تستطيع أن تفعل إن رفضت؟»
فيزمجر الغول: «أخرجه فورًا!»
فيجيبه القط ضاحكًا: «وماذا تستطيع أن تفعل إن رفضت؟»
وتكررت هذه المحاورة مرارًا، بينما القط والقنفذ يواصلان الوليمة، حتى خفت صوت
الغول شيئًا فشيئًا… ثم ساد الصمت.
وعندما تأكدا من موته، أحدثا ثقبًا صغيرًا في بطنه وخرجا منتصرين. وقف القط
ينفض فروه، وقال للقنفذ مبتسمًا: «ألم أقل لك إن الحيلة تغلب القوة؟»
ومنذ ذلك اليوم، صارت حيوانات الغابة يروون
حكاية القط والقنفذ والغول، ويتعلمون أن الذكاء أحيانًا أقوى من أضخم العمالقة. كان
سالم يسير بخطوات متسارعة، يلهث أكثر مما يتكلم، وعيناه تحاولان التقاط أي علامة
تقوده إلى كوخ والده في الجبل. لكن الليل كان قد أسدل ستاره كاملًا، والضباب امتزج
بالمطر، حتى صار كل شيء متشابهًا: الصخور، الأشجار، والمنحدرات.
الطريق الذي حفظه منذ طفولته بدا غريبًا، وكأنه يتعمد أن
يضله.
كلما ظنّ أنه اقترب، وجد نفسه يبتعد أكثر.
خطوة تقوده إلى منحدر، وأخرى إلى شِعبة ضيقة امتلأت بالماء. حاول أن يعود أدراجه،
لكن الظلام كان قد ابتلع أثر خطواته. عندها فقط أدرك، بعد وقتٍ طويل من المقاومة،
أنه فقد الطريق تمامًا، وأنه صار في جهة لم يطأها من قبل.
توقف، وأسند ظهره إلى صخرة باردة، والتقط أنفاسه. الخوف لم يكن في الظلام
وحده، بل في فكرة واحدة كانت تضرب قلبه بقوة:
ماذا لو لم أجد أبي؟
في الجهة الأخرى من الجبل، كان الأب في
الكوخ، يراقب المطر الذي لم يتوقف، ويصغي إلى صوت الوادي وقد ازداد قربًا وحدة.
كان الصوت مختلفًا هذه المرة، يحمل إنذارًا لا يخطئه من عاش طويلًا في الجبال.
تسلّل إلى قلبه شعور ثقيل، ليس خوفًا على نفسه، بل على أسرته التي تركها خلفه،
وعلى سالم تحديدًا، الذي يعرف اندفاعه وصدق قلبه.
قال في نفسه وهو ينهض:
"إن تأخرت أكثر، سيخرجون بحثًا عني… وقد يضيع أحدهم."
لم يتردد. ترك الماعز في الكوخ، وأغلق الباب
بما تيسر، ثم شق طريقه عائدًا نحو القرية، متحديًا البرد والمياه والظلام. كان يسقط
أحيانًا، ويقوم أحيانًا، لكن صورة أطفاله كانت تسنده كلما ضعفت قدماه.
حين وصل أخيرًا إلى البيت، كان التعب قد بلغ منه حدّه. طرق الباب طرقًا
خافتًا، فانفتح فجأة، واندفعت نحوه وجوه أنهكها القلق.
ارتمى الأطفال في حضنه، وبكت الزوجة من شدة الارتياح، بينما رفع الجد و الجدة
يديهما طويلًا يحمدان الله.
لكن الفرح لم يكتمل.
حين سألت الزوجة بصوت مرتجف، يكاد لا يُسمع:
"أين سالم؟ ألم يكن معك؟"
ساد صمت ثقيل، كأن المطر توقف احترامًا له.
نظر الأب في الوجوه حوله، ثم قال بصوت مكسور:
"لم أره… هل خرج يبحث عني؟"
تحوّل الفرح إلى حزنٍ عميق، أشد قسوة من المطر نفسه.
اقترب الأب من الباب المفتوح، وحدّق في الظلام، ثم قال بحزم لا يخلو من ألم:
"سأعود… لن أتركه وحده في هذا الليل."
اعترضت الجدة، تشبثت بعباءته، توسلت وبكت، لكن الزوجة كانت أكثر إصرارًا.
قالت وهي تشد عباءتها، وقد حُسم القرار في قلبها:
"سأرافقك."
كان في عينيها ذلك الإحساس الذي لا يُجادَل…
قلب الأم الذي يسبق الخطر، ويشعر بالابن قبل أن يُنادى.
أخذ الأب مصباحًا يدويًا قديمًا، أشعله بصعوبة، وخرجا معًا. الليل في منتصفه،
والبرد يشتد، والمياه تحيط بهما من كل جانب.
كانا يناديان بصوت متقطع، يبتلعه المطر تارة، ويعيده الوادي تارة أخرى.
لم يقطعا سوى أمتار قليلة، حتى انزلقت قدم الأب فجأة، وسقط في حفرة مائية
عميقة. ارتطم المصباح بالأرض، وانطفأ في لحظة.
الظلامٌ دامس، لا يُرى فيه شيء، ولا يُسمع سوى خفق القلوب وصوت الماء.
تجمّدت الزوجة في مكانها، ثم تماسكت، ومدّت يدها نحو زوجها، فتعلقا ببعضهما،
كأن كل واحد منهما صار مرساة للآخر.
لم يعودا يعرفان أين الطريق، ولا من أين أتيا، ولا إلى أين يتجهان.
الماء يبلل أقدامهما، والبرد ينفذ إلى العظام، وصوت الوادي صار أقرب، أثقل،
كأنه يتربص. ومع ذلك، تقدّما خطوة بعد خطوة، متماسكين، يقاومان الخوف، ويلجان في
الظلام… نحو المجهول.
وفي مكانٍ ما، بعيدًا عن كل هذا، كان سالم وحده يلتصق بجذع شجرة عتيقة، يحتمي
بها من الرياح، ينتظر بزوغ الفجر لعل الضوء يكشف له طريق النجاة. كان يسمع أصواتًا
بعيدة، لا يدري أهي نداءات أم صدى أفكاره.
أما الأبوين، فكانا يواصلان التقدم، مرة وسط المياه، ومرة وسط الأوحال،
وصوتهما يملأ الأرجاء.
ما إن يخفت صوت الأم حتى يرتفع صوت الأب، ثم يعودان معًا:
«يااااا سالم…
يااااا سالم…
يااااا سالم…»
وفجأة…
وصل إلى سمع سالم صوتٌ مألوف، ضعيف، لكنه حقيقي.
رفع رأسه، وقلبه يخفق بقوة.
هل هو نداء والديه؟
أم مجرد أملٍ يتشبث به قبل الفجر؟
كان سالم لا يزال ملتصقًا بجذع الشجرة، يحاول أن يدفئ يديه المرتجفتين، حين
عاد الصوت مرة أخرى…
لم يعد مجرد صدى، بل نداء واضح، مألوف، اخترق الظلام
واستقر مباشرة في قلبه.
"يا سالم… يا سالم"
انتفض واقفًا، وحبس أنفاسه، ثم قال بصوت مبحوح، جمع فيه ما بقي له من قوة:
"أبي… أمي… أنا هنا!"
ارتد صوته بين الصخور، وحمله الوادي لحظات، ثم عاد أضعف، لكنه كان كافيًا.
في الجهة الأخرى، توقّف الأبوان فجأة. تبادلا نظرة خاطفة، وفي عينيهما دموع لم
يرياها، بل شعرا بها.
قال الأب بصوت مخنوق:
"سمعته… هذا صوت سالم."
شدّت الزوجة على يده بقوة، وكأنها تخشى أن يكون الصوت حلمًا:
"نعم… هو قريب… أشعر به."
اطمأن قلبيهما، وتسارعا في الخطى رغم الظلام الدامس، رغم المياه التي تعيق
الحركة، ورغم البرد الذي شلّ الأطراف. كان الأمل الآن أقوى من الخوف.
لكن حين اقتربا أكثر، دوّى صوت الماء فجأة بينهما، وارتفع هديرٌ جديد…
شِعبة مائية عميقة كانت تفصل بينهما وبين سالم.
توقفت الزوجة فجأة. حدّقت في الظلام، ثم قالت بصوت مرتجف:
"لا… لا نستطيع العبور… سالم هناك… والماء
يشتد."
شدّ الأب على يدها:
"نبحث عن مكان أضيق… لا تتحركي."
لكن قلب الأم كان أسرع من التفكير.
سمعت صوت سالم مرة أخرى، أقرب هذه المرة، فغلبها الاندفاع. حاولت أن تخطو خطوة
واحدة، فقط لتقريب المسافة، لكن قدمها زلّت، وانفلتت يدها من يد زوجها.
في لحظة واحدة…
جرفتها المياه.
"لااااا!"
صرخة الأب شقّت الليل.
اختفت الزوجة في الظلام، ثم عاد صوتها، متقطعًا، مبحوحًا، يصارع الماء:
"يا رب… يا رب…النجدة...النجدة..."
صرخ الأب بكل ما في صدره، وانطلق يجري بمحاذاة الوادي، لا يرى شيئًا سوى
السواد، ولا يسمع سوى صوت الماء وصراخ زوجته الذي يعلو حينًا ويخفت حينًا.
وفي الأعلى، سمع سالم الصرخة.
عرفها فورًا.
"أمي!"
لم يفكر. اندفع يجري بمحاذاة الوادي، يتعثر، يسقط، ثم ينهض، يمد يديه في
الهواء، كأن الظلام يمكن أن ينشق له.
كان هو وأبوه يجريان على جانبي الوادي، كلٌّ في جهة، لا يريان شيئًا، لكنهما
يسمعان الصوت نفسه، صوت أمٍ تصارع الماء والبرد.
كان صراخها يقترب أحيانًا، ثم يبتعد فجأة، وكأن الوادي يلعب بقلوبهم.
مرة يسمعونها تستغيث، ومرة لا يسمعون سوى هدير الماء.
قال الأب وهو يركض، صوته مكسور:
"تماسكي… أنا هنا…"
وقال سالم وهو يلهث:
"أمي… لا تخافي…"
لكن الظلام كان أقسى من الكلمات، والماء لا يجيب.
وفجأة…
انقطع الصوت.
توقف الأب في مكانه، وكأن الأرض سُحبت من تحته.
وتجمّد سالم، وقلبه يكاد يخرج من صدره.
هل جرفها الوادي بعيدًا؟
أم أن الصمت يخفي فرصة نجاة؟
في تلك اللحظة، لمح سالم شيئًا غامقًا عالقًا قرب صخرة كبيرة، يتحرك ببطء مع
الماء.
شدّ عينيه، وتقدم خطوة واحدة…
وقلبه يخفق بقوة لم يعرفها من قبل.
هل وجدها؟
أم أن الوادي يختبرهم مرة أخيرة؟
شدّ سالم عينيه أكثر، واقترب
بحذر من الصخرة، والماء يضرب ساقيه بقسوة. كان الشيء العالق يتحرك ببطء، ثم توقف،
ثم عاد يتحرك كأنه يقاوم الانجراف.
صرخ بأعلى صوته، وقد اختلط الخوف بالأمل:
"أمي! إن كنتِ تسمعينني… تحركي!"
وفي اللحظة نفسها، سمع الأب
الصرخة، فاندفع نحو مصدرها، متجاهلًا الألم في ساقه والبرد الذي شلّ جسده. تعثر،
سقط، ثم نهض، يلهث، وقلبه يسبق خطواته.
اقترب سالم أكثر، ومدّ يده،
فلامست أطراف أصابعه قطعة قماش مبتلة… عباءة أمه.
كانت ممسكة بجذع شجرة صغيرة انغرست جذورها بين الصخور، جسدها منهك، وأنفاسها
ضعيفة، لكنها كانت حيّة.
قال سالم وهو يكاد يبكي:
"أمي… تمسكي… لا تتركي الشجرة."
حاول جذبها، لكن الماء كان أقوى
منه. تراجع خطوة، ونادى بأعلى صوته:
"أبي! وجدتها! أمي هنا!"
وصل الأب بعد لحظات بدت له
دهرًا. رأى المشهد، فشهق، ثم ركع عند حافة الماء، ومدّ عصاه الخشبية الطويلة التي
كان يحملها.
قال بصوت ثابت رغم ارتجافه:
"تمسكي بالعصا… لا تخافي."
تعلقت الزوجة بالعصا بكل ما بقي
لها من قوة، وساعدها سالم من الجهة الأخرى، يسندانها خطوة خطوة، حتى خرجت من الماء
وسقطت على الأرض الطينية، منهكة، ترتجف، لكنها على قيد الحياة.
ارتمى الأب بجانبها، وضمّ رأسها
إلى صدره، يكرر بصوت مبحوح:
"الحمد لله… الحمد لله."
لم يكن هناك وقت للبكاء. كان
الوادي لا يزال هادرًا، والبرد قاسيًا. لفّ سالم عباءته حول أمه، وساعدها على
الوقوف. كانت خطواتها بطيئة، لكنها كانت تمشي، وهذا وحده كان معجزة.
وبينما كانوا يشقون طريقهم
عائدين، بدأ لون السماء يتغير ببطء. لم يكن الضوء قد ظهر بعد، لكن السواد لم يعد
كثيفًا كما كان.
قال سالم وهو ينظر إلى الأفق:
"أبي… الفجر يقترب."
كان ذلك كالوعد. كأن الليل، بعد
كل ما فعله، قرر أخيرًا أن ينسحب.
وصلوا إلى أطراف القرية مع أول
خيط نور. كانت البيوت الطينية صامتة، والدخان يتصاعد من بعضها مع بدء يوم جديد لا
يعلم شيئًا عن الليلة التي كادت تبتلع أسرة كاملة.
وحين طرقوا باب البيت، فُتح
بسرعة، واندفعت الجدة تبكي، يتبعها الجد، ثم الأطفال.
ضمت نورة أمها بقوة، وبكى علي دون أن يفهم كل ما حدث، لكنه فهم أن الخطر انتهى.
جلسوا جميعًا في الداخل، قرب
النار، يدفئون أيديهم وقلوبهم. لم يتحدث أحد في البداية. كانت النظرات وحدها
كافية، نظرات امتلأت بالشكر والنجاة.
قال الجد بعد صمت طويل:
"هذه ليلة ستُروى… لا لتخويفنا، بل لتذكرنا بأن الرحمة أقرب مما نظن."
مع شروق الشمس الكامل، كانت
الأسرة كلها تحت سقف واحد. عادوا، مرهقين، مبللين، لكنهم معًا.
وانتهت الليلة العصيبة… وبقي أثرها حكاية، وحكمة، ورابط لا يكسره زمن.
