لم يعد مجرد صدى، بل نداء واضح، مألوف، اخترق الظلام واستقر مباشرة في قلبه.
"يا سالم… يا سالم"
انتفض واقفًا، وحبس أنفاسه، ثم قال بصوت مبحوح، جمع فيه ما بقي له من قوة:
"أبي… أمي… أنا هنا!"
ارتد صوته بين الصخور، وحمله الوادي لحظات، ثم عاد أضعف، لكنه كان كافيًا.
في الجهة الأخرى، توقّف الأبوان فجأة. تبادلا نظرة خاطفة، وفي عينيهما دموع لم
يرياها، بل شعرا بها.
قال الأب بصوت مخنوق:
"سمعته… هذا صوت سالم."
شدّت الزوجة على يده بقوة، وكأنها تخشى أن يكون الصوت حلمًا:
"نعم… هو قريب… أشعر به."
اطمأن قلبيهما، وتسارعا في الخطى رغم الظلام الدامس، رغم المياه التي تعيق
الحركة، ورغم البرد الذي شلّ الأطراف. كان الأمل الآن أقوى من الخوف.
لكن حين اقتربا أكثر، دوّى صوت الماء فجأة بينهما، وارتفع هديرٌ جديد…
شِعبة مائية عميقة كانت تفصل بينهما وبين سالم.
توقفت الزوجة فجأة. حدّقت في الظلام، ثم قالت بصوت مرتجف:
"لا… لا نستطيع العبور… سالم هناك… والماء يشتد."
شدّ الأب على يدها:
"نبحث عن مكان أضيق… لا تتحركي."
لكن قلب الأم كان أسرع من التفكير.
سمعت صوت سالم مرة أخرى، أقرب هذه المرة، فغلبها الاندفاع. حاولت أن تخطو خطوة
واحدة، فقط لتقريب المسافة، لكن قدمها زلّت، وانفلتت يدها من يد زوجها.
في لحظة واحدة…
جرفتها المياه.
"لااااا!"
صرخة الأب شقّت الليل.
اختفت الزوجة في الظلام، ثم عاد صوتها، متقطعًا، مبحوحًا، يصارع الماء:
"يا رب… يا رب…النجدة...النجدة..."
صرخ الأب بكل ما في صدره، وانطلق يجري بمحاذاة الوادي، لا يرى شيئًا سوى
السواد، ولا يسمع سوى صوت الماء وصراخ زوجته الذي يعلو حينًا ويخفت حينًا.
وفي الأعلى، سمع سالم الصرخة.
عرفها فورًا.
"أمي!"
لم يفكر. اندفع يجري بمحاذاة الوادي، يتعثر، يسقط، ثم ينهض، يمد يديه في
الهواء، كأن الظلام يمكن أن ينشق له.
كان هو وأبوه يجريان على جانبي الوادي، كلٌّ في جهة، لا يريان شيئًا، لكنهما
يسمعان الصوت نفسه، صوت أمٍ تصارع الماء والبرد.
كان صراخها يقترب أحيانًا، ثم يبتعد فجأة، وكأن الوادي يلعب بقلوبهم.
مرة يسمعونها تستغيث، ومرة لا يسمعون سوى هدير الماء.
قال الأب وهو يركض، صوته مكسور:
"تماسكي… أنا هنا…"
وقال سالم وهو يلهث:
"أمي… لا تخافي…"
لكن الظلام كان أقسى من الكلمات، والماء لا يجيب.
وفجأة…
انقطع الصوت.
توقف الأب في مكانه، وكأن الأرض سُحبت من تحته.
وتجمّد سالم، وقلبه يكاد يخرج من صدره.
هل جرفها الوادي بعيدًا؟
أم أن الصمت يخفي فرصة نجاة؟
في تلك اللحظة، لمح سالم شيئًا غامقًا عالقًا قرب صخرة كبيرة، يتحرك ببطء مع
الماء.
شدّ عينيه، وتقدم خطوة واحدة…
وقلبه يخفق بقوة لم يعرفها من قبل.
هل وجدها؟
أم أن الوادي يختبرهم مرة أخيرة؟
يتبع…
