كانت القرية تغفو مبكرًا حين يكتمل القمر.
ليس لأن أهلها يحبون النوم، بل لأن الليل فيها له ذاكرة،
والذاكرة لا تُجيد المزاح.
في تلك القرية القروية الهادئة، عاش رجل يُدعى عبد الجليل، فلاح بسيط،
معروف بين الناس باستقامته وهدوئه. لم يكن خرافيًا، ولا كثير الكلام عن الجن
والأساطير، بل كان يردّد دائمًا:
"ما نراه بعقولنا أخطر
مما نراه بأعيننا."
لكن تلك الليلة… ستغيّر كل شيء.
دُعي عبد الجليل إلى العشاء عند قريبه الحسين، في دوّارٍ يبعد عن بيته
مسافة ساعة سيرًا.
كان العشاء بسيطًا: خبز شعير، حساء دافئ، وأحاديث عن
الزرع والمطر وأحوال الناس.
ضحكوا.
تسامروا.
وتأخر الوقت دون أن ينتبهوا.
حين همّ عبد الجليل بالمغادرة، كان القمر قد اكتمل، يعلو السماء كعينٍ مفتوحة
لا تنام.
قال له قريبه:
— "بتّ عندنا الليلة،
الطريق طويل."
ردّ عبد الجليل مبتسمًا:
— "القمر رفيق، والطريق
أعرفه كما أعرف كفّي."
لم يكن يعلم أن بعض الطرق… تتغيّر ليلًا.
سار عبد الجليل بين الحقول.
الهواء بارد، والهدوء ثقيل، حتى صوت خطاه كان يبدو
غريبًا عليه.
عندما بلغ منعطفًا قرب شجرة تين قديمة، سمع صوتًا خلفه…
صوت امرأة.
هادئ.
واضح.
يناديه باسمه.
— "عبد الجليل…"
تجمّد في مكانه.
لم يكن في الصوت صراخ ولا تهديد.
كان طبيعيًا أكثر مما ينبغي.
استدار ببطء.
رأى امرأة تقف على مسافة، ترتدي لباسًا قرويًا قديمًا، شعرها طويل، ووجهها…
غير واضح تمامًا تحت ضوء القمر.
سألها بصوت مرتجف:
— "من أنتِ؟ وكيف تعرفين
اسمي؟"
ابتسمت.
وقالت:
— "ألا تعرفني؟ كل أهل هذه
البلاد يعرفونني."
في تلك اللحظة، تذكّر عبد الجليل الحكايات التي كان يسمعها طفلًا.
حكايات كانوا ينهونها دائمًا بعبارة:
"الله يستر… لا تذكروا
اسمها ليلًا."
عائشة قنديشة.
لم تقل اسمها.
لم تكن بحاجة إلى ذلك.
شعر بالخوف يزحف إلى صدره ببطء، كأنه شيء حيّ.
أراد أن يركض، لكن قدميه لم تطاوعاه.
قالت وهي تقترب خطوة:
— "لا تخف… فقط اقترب."
هنا، تذكّر شيئًا قاله له جده قديمًا:
"إن ناداك الخوف باسمك…
فلا تُجبه كما أنت."
خفض عبد الجليل رأسه، وجمع ما بقي له من تماسك، وقال بصوتٍ مغاير:
— "أخطأتِ… لستُ عبد الجليل."
توقفت.
ساد صمت ثقيل.
ثم قالت:
— "لكنني ناديتك باسمه."
رفع رأسه ببطء:
— "الاسم لا يكفي… الأسماء
تتشابه."
تراجع خطوة، ثم أخرى، وهو يقرأ في قلبه ما يحفظه من آيات، دون أن يحرّك شفتيه.
فجأة، تغيّر الهواء.
خفت ضوء القمر.
واختفت المرأة… كما لو أنها لم تكن.
سقط عبد الجليل على ركبتيه، يلهث، والعرق يبلل جبينه في ليلة باردة.
بعد دقائق… أو ساعات (لم يعرف)، نهض وأكمل طريقه دون أن يلتفت.
وصل إلى بيته قبل الفجر.
لم ينم تلك الليلة.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد عبد الجليل كما كان.
- صار قليل الكلام
- يخاف الوحدة
- يتجنب الخروج ليلًا
- ويصحو مفزوعًا إن
ناداه أحد باسمه
حكى ما حدث لبعض الناس.
البعض صدّقه.
قالوا: "هذه ليست أول مرة."
والبعض كذّبه.
قالوا: "الخوف يصنع أوهامًا."
أما عبد الجليل…
فلم يكن بحاجة لمن يصدّقه.
الخوف الذي دخل قلبه تلك الليلة، لم يخرج أبدًا.
رافقه حتى آخر عمره.
مات بعد سنوات، هادئًا كما عاش،
لكنهم قالوا إن قلبه… شاخ قبل أوانه.
هل كانت تلك المرأة حقيقة؟
أم ظلًا من تراثٍ قديم؟
أم اختبارًا للخوف البشري حين يسير وحده تحت القمر؟
لا أحد يعرف.
لكن في تلك القرية،
حين يكتمل القمر،
لا أحد ينادي أحدًا باسمه في الطريق.
