recent
أحدث المواضيع

عاصفة عاتية...الجزء الأول

فريق راجع
الصفحة الرئيسية

 في ستينيات القرن الماضي، وبين جبال الجنوب الشرقي للمملكة، كانت تقوم قرية صغيرة متفرقة البيوت، مبنية من الطين والحجر، تعيش على البساطة والصبر، وتعتمد على ما تجود به الأرض والمواسم.



في أحد تلك البيوت، عاشت أسرة متواضعة تتكون من أبٍ وأم، وثلاثة أبناء: الابن الأكبر سالم الذي يبلغ السادسة عشرة، وأخته نورة ذات الاثني عشر عامًا، وأخيهم الصغير علي الذي لم يتجاوز التاسعة، إضافة إلى الجد والجدة اللذين كانا يمثلان ذاكرة البيت وحكمته.

في ذلك اليوم، بدأت السماء تتلبد بالغيوم منذ الصباح، ولم يكن المطر غريبًا على أهل القرية، لكن شدته كانت غير مألوفة. ومع أولى ساعات العصر، انهمرت الأمطار بغزارة، وتحولت الشعاب الهادئة إلى أودية هادرة تحمل معها الطين والحجارة و الأشجار.

كان الأب، احمد، في الجبل يرعى الماعز كعادته، وحين سمع صوت الرعد واختلاط هدير المطر بجريان المياه، أسرع بالقطيع نحو كوخ صغير كان يستخدمه للاحتماء وقت العواصف. تمكن من إدخال معظم الماعز، لكن إحداها شردت عنه، واتجهت نحو شِعبة مائية ضيقة.

حاول الأب اللحاق بها، لكن المياه كانت أسرع، فجرفتها السيول أمام عينيه دون أن يستطيع فعل شيء سوى الدعاء.

في القرية، كان صوت الوادي يُسمع بوضوح، يقترب ويعلو، وكانت الشِعبة التي جرفت الماعزة الشاردة تمر بالقرب من منزل الأسرة. دبّ القلق في قلوب الجميع، فالجد يعرف خطورة هذه الأصوات، والأم كانت تراقب الجبل بعينين مليئتين بالخوف.

قال سالم، وهو يحاول إخفاء توتره:

"أبي في الجبل… يجب أن يكون بخير."

لكن نبرة صوته لم تُقنع أحدًا، ولا حتى نفسه.

مرت ساعات ثقيلة، ومع اقتراب المساء اشتدت الأمطار أكثر فأكثر،  كانت الأسرة خائفة، صامتة إلا من صوت المطر الذي يضرب جدران البيت الطيني بلا رحمة. جلسوا جميعًا قرب النافذة الصغيرة، يحدّقون في المياه، يترقبون عودة الأب من الجبل، وكل دقيقة تمرّ كانت أثقل من التي قبلها.

وفجأة، شهقت الأم، وتراجعت خطوة إلى الوراء، ثم صرخت بصوت اخترق أرجاء البيت:

"هذه ماعزته… أعرفها… علامتها في أذنها"

كانت المياه الجارفة تحمل الماعزة بسرعة، تدور بها ثم تختفي خلف منعطف الشِعبة. عندها وضعت الأم يدها على صدرها، وارتجف صوتها وهي تقول:

"ما الذي حلّ بزوجي؟"

عمّ الخوف المكان، وانفجر الأطفال بالبكاء، حتى نورة التي كانت تحاول التماسك لم تستطع حبس دموعها. أما الجد، فشدّ مسبحته بيد مرتجفة، وبدأ يردد الأدعية بصوت خافت.

وقف سالم، الابن الأكبر، وقد اشتعل في عينيه قرار لم ينطق به بعد. قال بحزم:

"سأخرج… أبي قد يكون بحاجة إليّ."

لكن الأم التفتت إليه بسرعة، وكأنها تستجدي قلبه:

"لا… لا تذهب… لن أحتمل أن أفقدك أيضًا"

ساد صمت قصير، قطعه صوت الجدة، دافئًا رغم الخوف:

"إن استطعت، فافعل يا ولدي… أبوك ربما في خطر، والله حافظكما."

تعلقت عينا الأم بالجد، بينما ظل هو رافعًا كفيه إلى السماء:

"اللهم الطف بابني… اللهم رده سالمًا."

لم يتراجع سالم. لفّ عباءته بإحكام، وفتح الباب، فاندفع الهواء البارد وصوت الرعد يملأ الأرجاء، والمياه تنهمر من كل جانب، وكأن الأرض نفسها تضطرب.

خطا خارج البيت، والظلام يبتلعه شيئًا فشيئًا، بينما ظلت الأسرة خلفه، تراقب خيله حتى اختفى.

وفي تلك اللحظة

تبادلت الأسرة نظرات مذعورة.

… يتبع


google-playkhamsatmostaqltradent