recent
أحدث المواضيع

عاصفة عاتية....الجزء الاخير

فريق راجع
الصفحة الرئيسية

 



شدّ سالم عينيه أكثر، واقترب بحذر من الصخرة، والماء يضرب ساقيه بقسوة. كان الشيء العالق يتحرك ببطء، ثم توقف، ثم عاد يتحرك كأنه يقاوم الانجراف.
صرخ بأعلى صوته، وقد اختلط الخوف بالأمل:
"أمي! إن كنتِ تسمعينني… تحركي!"

وفي اللحظة نفسها، سمع الأب الصرخة، فاندفع نحو مصدرها، متجاهلًا الألم في ساقه والبرد الذي شلّ جسده. تعثر، سقط، ثم نهض، يلهث، وقلبه يسبق خطواته.

اقترب سالم أكثر، ومدّ يده، فلامست أطراف أصابعه قطعة قماش مبتلة… عباءة أمه.
كانت ممسكة بجذع شجرة صغيرة انغرست جذورها بين الصخور، جسدها منهك، وأنفاسها ضعيفة، لكنها كانت حيّة.

قال سالم وهو يكاد يبكي:
"أمي… تمسكي… لا تتركي الشجرة."

حاول جذبها، لكن الماء كان أقوى منه. تراجع خطوة، ونادى بأعلى صوته:
"أبي! وجدتها! أمي هنا!"

وصل الأب بعد لحظات بدت له دهرًا. رأى المشهد، فشهق، ثم ركع عند حافة الماء، ومدّ عصاه الخشبية الطويلة التي كان يحملها.
قال بصوت ثابت رغم ارتجافه:
"تمسكي بالعصا… لا تخافي."

تعلقت الزوجة بالعصا بكل ما بقي لها من قوة، وساعدها سالم من الجهة الأخرى، يسندانها خطوة خطوة، حتى خرجت من الماء وسقطت على الأرض الطينية، منهكة، ترتجف، لكنها على قيد الحياة.

ارتمى الأب بجانبها، وضمّ رأسها إلى صدره، يكرر بصوت مبحوح:
"الحمد لله… الحمد لله."

لم يكن هناك وقت للبكاء. كان الوادي لا يزال هادرًا، والبرد قاسيًا. لفّ سالم عباءته حول أمه، وساعدها على الوقوف. كانت خطواتها بطيئة، لكنها كانت تمشي، وهذا وحده كان معجزة.

وبينما كانوا يشقون طريقهم عائدين، بدأ لون السماء يتغير ببطء. لم يكن الضوء قد ظهر بعد، لكن السواد لم يعد كثيفًا كما كان.
قال سالم وهو ينظر إلى الأفق:
"أبي… الفجر يقترب."

كان ذلك كالوعد. كأن الليل، بعد كل ما فعله، قرر أخيرًا أن ينسحب.

وصلوا إلى أطراف القرية مع أول خيط نور. كانت البيوت الطينية صامتة، والدخان يتصاعد من بعضها مع بدء يوم جديد لا يعلم شيئًا عن الليلة التي كادت تبتلع أسرة كاملة.

وحين طرقوا باب البيت، فُتح بسرعة، واندفعت الجدة تبكي، يتبعها الجد، ثم الأطفال.
ضمت نورة أمها بقوة، وبكى علي دون أن يفهم كل ما حدث، لكنه فهم أن الخطر انتهى.

جلسوا جميعًا في الداخل، قرب النار، يدفئون أيديهم وقلوبهم. لم يتحدث أحد في البداية. كانت النظرات وحدها كافية، نظرات امتلأت بالشكر والنجاة.

قال الجد بعد صمت طويل:
"هذه ليلة ستُروى… لا لتخويفنا، بل لتذكرنا بأن الرحمة أقرب مما نظن."

مع شروق الشمس الكامل، كانت الأسرة كلها تحت سقف واحد. عادوا، مرهقين، مبللين، لكنهم معًا.
وانتهت الليلة العصيبة… وبقي أثرها حكاية، وحكمة، ورابط لا يكسره زمن

google-playkhamsatmostaqltradent