ليلة الرعب ... فيضانات 1965 بالجتوب الشرقي للمغرب.

في أواسط ستينيات القرن الماضي، وتحديدًا سنة 1965، شهد الجنوب الشرقي للمغرب واحدة من أشد الفيضانات التي ما زالت عالقة في ذاكرة من عايشوها. كانت الأمطار الغزيرة التي هطلت ذلك العام جزءًا من موجات مطرية قوية عرفتها مناطق متعددة من البلاد، حيث يؤدي المناخ شبه الجاف السائد في أقاليم مثل الرشيدية وتنغير إلى جعل الأودية سريعة الاستجابة لأي تساقطات كثيفة، فتتحول في ساعات قليلة من مجارٍ هادئة إلى سيول جارفة.

ليلة تغيّر فيها كل شيء:

مع ساعات العصر بدأت السماء تكتسي بغيوم داكنة، ثم انهمرت الأمطار بغزارة غير معتادة واستمرت حتى الليل. لم تكن الأمطار محلية فحسب، بل شملت مجالات واسعة تصب جميعها في نفس الحوض المائي. بعد صلاة العشاء، سمع السكان هديرًا مخيفًا لم يألفوه من قبل؛ كان صوت الوادي الذي يمر وسط المزارع وقد تضاعفت حمولته بشكل غير مسبوق.

في دقائق قليلة، تمددت المياه نحو البيوت القريبة، فغمرتها دون سابق إنذار. خرج الناس في حالة من الهلع، تاركين وراءهم ممتلكاتهم ومحاصيلهم، لا يفكرون إلا في النجاة بأرواحهم. قضوا ليلة بيضاء في بيوت الجيران والأقارب الذين فتحوا أبوابهم تضامنًا، بينما كان هدير المياه لا ينقطع في الظلام.

صباح الكارثة:

مع بزوغ الفجر، تكشفت فداحة ما حدث. منازل مهدمة جزئيًا أو كليًا، وحقول مغطاة بطبقات كثيفة من الأوحال والرمال. الأراضي القريبة من مجرى الوادي جُرفت بالكامل، كما اقتُلعت أشجار مثمرة كانت تمثل مصدر رزق لعشرات الأسر. حتى المناطق التي كانت بعيدة نسبيًا عن المجرى لم تسلم، فقد وصلت إليها المياه محملة بالأتربة.

تشير الدراسات الهيدرولوجية إلى أن الأودية في الجنوب الشرقي المغربي تتميز بطابع فيضي مفاجئ بسبب قلة الغطاء النباتي وضعف امتصاص التربة للمياه، ما يجعل السيول سريعة وعنيفة عند هطول أمطار استثنائية .

كما تؤكد تقارير Direction Générale de la Météorologie أن المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية في المغرب تعرف أحيانًا تساقطات مركزة في وقت قصير، وهو ما يزيد من احتمال الفيضانات المفاجئة (.

نزوح وتحوّل اجتماعي:

أمام حجم الخسائر، اضطرت أسر كثيرة إلى الرحيل نحو مدن قريبة بحثًا عن العمل والاستقرار. فقدوا بيوتهم وأراضيهم، وانقطعت صلتهم بالأرض التي عاشوا منها أجيالًا. كانت تلك الفيضانات سببًا مباشرًا في موجة نزوح قروي نحو المراكز الحضرية، وهي ظاهرة عرفها المغرب في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين نتيجة الكوارث الطبيعية والجفاف المتكرر.

بين الواقع والشائعات:

في خضم الصدمة، انتشرت روايات غريبة بين السكان. بعضهم قال إنه سمع زغاريد وسط هدير المياه، وآخرون تحدثوا عن أشباح أو أصوات غير مألوفة. هذه التفسيرات الشعبية ليست غريبة في سياق الكوارث الطبيعية؛ إذ تشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أن المجتمعات تميل إلى إنتاج روايات رمزية لتفسير الأحداث المفاجئة والصادمة، خاصة في البيئات التقليدية (.

لكن الحقيقة الثابتة أن ما حدث كان نتيجة مباشرة لقوة الطبيعة حين تتجاوز حدود التوقع. لقد أعادت فيضانات 1965 رسم ملامح المنطقة جغرافيًا واجتماعيًا، وغيّرت مسارات حياة كثيرين.

درس لا يُنسى:

تحولت صورة الوادي الهادئ الذي كان يروي العطش ويسقي الحقول إلى ذكرى بحر هائج أتى على الأخضر واليابس. بقيت تلك الليلة حاضرة في الذاكرة الجماعية كشاهد على هشاشة الإنسان أمام الظواهر الطبيعية، وعلى أهمية التخطيط المسبق وبناء السدود ومنشآت الحماية، وهي الجهود التي عززها المغرب لاحقًا عبر سياسات مائية كبرى وتشييد سدود متعددة للحد من مخاطر الفيضانات.

إنها حكاية واقعية تختزل مأساة إنسانية وتجربة قاسية، لكنها أيضًا تذكير بقوة التضامن بين الناس، حين فتحت البيوت أبوابها للناجين، وحين تشارك الجميع الألم والأمل في بداية جديدة.

 

تعليقات