البندير الذي كشف السر

كان يا ما كان، في قديم الزمان، في قرية صغيرة تحيط بها الحقول اليابسة وتغمرها شمس حارقة، عاشت أسرة فقيرة تتكوّن من أبٍ طيبٍ يعمل ليل نهار، وأمٍّ حنونٍ لا يفارق الدعاء شفتيها، وولدَين شجاعَين، وبنتٍ صغيرة كانت زهرة البيت وروحه.

وفي يومٍ حزين، مرضت البنت الصغيرة مرضًا شديدًا، فخيم الصمت على البيت، وغابت الضحكات التي كانت تملأ أركانه. أسرع الأب يستدعي الطبيب الوحيد في القرية. جاء الطبيب يحمل حقيبته الجلدية القديمة، تفحّص الطفلة مليًّا، ثم هزّ رأسه وقال بصوتٍ مهيب:

— “دواؤها ليس سهلًا… تحتاج إلى بيض طائر نادر يُدعى «طير الغزواني»، وهو لا يعشش إلا فوق قمم جبال بعيدة، خلف صحراء حارّة لا ترحم!”

تبادل الأخوان النظرات، ولم ينتظرا طويلًا. قال الكبير بثقة:
— “
سنذهب نحن ونحضر البيض، ولن نعود إلا ومعنا الشفاء لأختنا.”
وأضاف الصغير بحماس:
— “
حتى لو اضطررنا لمصارعة الرمال والرياح!”

انطلقا عبر الصحراء، والشمس تصهر الرمال كأنها بحرٌ من نار. كانا أحيانًا يتشاجران حول الاتجاه، وأحيانًا يتشجعان بأغانٍ بسيطة يرددانها لطرد التعب. وبعد مسيرة طويلة، وصلا إلى مفترق طرق تحيط به صخور شاهقة.

قال الكبير:
— “
أيّ طريق نسلك؟ اليمين أم اليسار؟
فكّر الاثنان طويلًا، ثم اتفقا على أن يسلك كلٌّ منهما طريقًا مختلفًا، ومن يجد البيض أولًا يعود إلى نقطة اللقاء وينتظر الآخر.

مضت الأيام، وتعرّض الأخ الصغير لعواصف رملية، وكاد يعطش، لكنه لم يستسلم. وأخيرًا، لمح عشًا فوق قمة جبل عالٍ، فصعد إليه بشجاعة، ووجد بيض «طير الغزواني» يتلألأ تحت الشمس. أخذه بحذر، وعاد مسرعًا إلى نقطة اللقاء، ينتظر أخاه الأكبر.

أما الكبير، فقد ضلّ الطريق، ولم يعثر على شيء. وعندما عاد إلى المفترق ورأى البيض بين يدي أخيه، تسلل الحسد إلى قلبه، وهمس له الشيطان:
— “
سيُشيدون بشجاعته ويسخرون منك!”

فغلبه الشرّ، وفي لحظة ضعفٍ مظلمة، قتل أخاه ووضع جسده فوق شجرة سدر عالية، ثم أخذ البيض وعاد إلى القرية متظاهرًا بالبطولة.

استقبله أهله بالزغاريد والدموع، وشكروه على شجاعته. أخبرهم أن أخاه سيعود لاحقًا لأنه سلك طريقًا آخر. وصدّقوه، خاصةً بعدما حدّثهم عن “مغامراته” الخطيرة مع الرياح والرمال (التي بالغ في وصفها حتى كاد يجعل من نفسه بطل حكايات!).

مرّت أيام… ثم أسابيع.

وذات يوم، مرّت قافلة قرب الشجرة التي وُضع عليها جسد الصغير. وجد أحد الرجال جلده قد جفّ بفعل الشمس، فأخذه وصنع منه “البندير” — ذلك الدفّ الشعبي الذي يُطرب القلوب في الأفراح.

وصلت القافلة إلى القرية، وبدأ الرجل يعزف على البندير في الساحة. وفجأة، خرج صوتٌ غريبٌ رقيقٌ وحزين من الآلة، كأنه نسيمٌ يتكلم:

تمهّل يا هذا… أخي قتلني ووضعني على شجرة السدر…”

ارتجف الأب واقترب مذهولًا، وطلب من العازف أن يمسك بالبندير قليلًا. ضرب عليه بخفة، فخرج الصوت نفسه، أكثر وضوحًا وألمًا.

تمهّل يا أبي… لا تحزن ولا تنتظرني… أخي قتلني ووضعني على شجرة السدر

تقدّمت الأم دامعةً، وحين ضربت عليه، ردّد البندير الكلمات ذاتها، حتى خيّل للناس أن الهواء نفسه يبكي.

أما الأخ القاتل، فاقترب وهو يرتجف. حاول أن يبدو شجاعًا، وقال:
— “
دعوني أجرّب!”

لكن حين ضرب عليه، تغيّر الصوت فجأة، وأصبح حادًا صارمًا:

اهدأ أيها الشرير! أنت من قتلني ووضعتني على شجرة السدر!”

ارتبك الأخ، واصفرّ وجهه، وحاول أن يمسك بالبندير ليسكته، لكنه تعثر، وكأن الأرض رفضت حمله. وفي محاولة يائسة للهرب، قفز وركض وهو يحفر بقدميه في التراب حتى اختفى بعيدًا، ولم يره أحد بعد ذلك.

أما الوالدان، فقد بكيا طويلًا على ابنهما الصغير، وتعلّما أن الحسد نارٌ تأكل صاحبها قبل غيره.

ومنذ ذلك اليوم، صار أهل القرية إذا سمعوا صوت البندير في الليل، يقولون للأطفال:
إيّاكم والحسد… فحتى الطبول قد تفضح الأسرار!”

تعليقات